الاخباررأي

⭕ كتابات – هشام الشواني – يكتب.. العلمانية العجيبة لحزب السنابل!

العلمانية العجيبة لحزب السنابل!

لمُناقشات قضية العلمانية تاريخ طويل في العالم العربي والإسلامي، وهي كمصطلح تعود لترجمة مفهوم SECULARISM وتعني تلك الرؤية اللادينية للحياة والإنسان والطبيعة، التي ترفض الدين وتعزله عن الفاعلية. وربما يكون هذا الرفض مطلقا غير متسامح فتكون علمانية راديكالية، أو يكون متلونا مُساوما يرغب في تحديد مجالات فاعلية الدين عبر الإدعاء بأن عزله عن السياسة والدولة هو المطلوب، في حين يظل موجودا في مجال السلوك الفردي الخاص للعبادة والصلاة ونحوها. والحياة المُعاصرة للإنسان بطبيعة الحال لم تعد تعرف ذلك التمييز بين المجال العام والمجال الخاص، فالدولة الحديثة توسعت بقوانينها لجميع مجالات الحياة، والعولمة ووسائل التواصل الحديثة تجعل حياة الإنسان في أدق تفاصيلها منشورة للعالم كله. لذا فحصر الدين وفاعليته في المجال الفردي الذاتي تتعارض مع طبيعة المجتمع المعاصر.

للعلمانية ارتباط جوهري بتاريخ نشوئها في الغرب، وبثقافة العصور الوسطى في أوروبا وما ساد فيها من فكر وأدب وعلوم سيطرت عليها الكنيسة، وكانت السلطة حينئذ في يد الإقطاعيين وأباطرة الكنيسة، فجاء عصر التحول والنهضة والتنوير في الغرب مضادا لما قبله قاطعا معه كل صلة بما في ذلك الدين. وهذه الموجة الحضارية الغربية وسمت العالم كله بسماتها ومعالمها، لذلك نشأت مسألة العلمانية في العالم العربي والإسلامي ودول العالم الثالث.هذا الجدل الفكري عميق ومتوسع وحوله كتابات كثيرة، وهذا المقال لا يهدف لمناقشة مسألة العلمانية في ذاتها، ولا مناقشة تاريخها وجذورها بل يسعى للإشارة لعلمانية جديدة مضحكة لم نرها من قبل ولم نسمع بها!

في يوم 30 يوليو 2021 المنصرم، عقد حزب المؤتمر السوداني مؤتمره التنظيمي الأول، وخرج بتصريح إعلامي حول أن المؤتمر التنظيمي قرر تبني الحزب للعلمانية كتوصية من توصيات الاجتماع، وقد قام بإخضاعها للتصويت، فنالت العلمانية نسبة تأييد وسط عضوية مؤتمر حزب السنابل نسبة 70%. ما يدعونا للتعجب هنا مسألتان: الأولى تتعلق بطريقة حسم قضية العلمانية وبمناقشتها بهذا الشكل، والثانية تتعلق بمدى اتساق هذه الطريقة مع مواقف حزب السنابل (المؤتمر السوداني) في المجال العام.

فمن حيث الطريقة التي يناقش بها المؤتمر التنظيمي مسألة فكرية كالعلمانية، عبر إخضاعها للتصويت بدون طرح نقاش نظري رصين حولها، وبدون حتى ظهور اتجاهات للرأي العام تُظهر وجود خلاف وتنوع داخل الحزب في رؤيتهم لهذه (العلمانية العجيبة). بدون كل هذه الكتابات وبدون جدل وصخب نتساءل: مالذي كان يٌفكر فيه ال30% من نسبة المؤتمرين الذين لم يصوتوا للعلمانية؟ هل كانوا يُفكرون في تبني عبارة مخففة مثل المدنية مثلا ؟ ما هي الأسس النظرية لهذه الأطروحة أو تلك؟ لن تجد شيئا عزيزي القارئ سوى بروبغاندا مُضحكة، تٌحاول أن تقول لك أن التصويت الديمقراطي الساخن جدا بين السنابل، كان هو الفيصل الحاسم في مسألة نظرية مثل العلمانية.

التحليل السليم لهذه النقطة يأتي من أن حزب المؤتمر السوداني تحديدا هو حزب براغماتي، بلا هوية فكرية ولاهوية تاريخية، هو شكل من أشكال التنظيمات الليبرالية العلمانية بالضرورة والتعريف. وهذه الحالة البراغماتية الحزبية غير مؤسسة على تنظير فكري بل مدفوعة بإغراء فكرة الحياد. هذا الحزب يُذكرنا بالتشابه الصميمي بينه وبين بعض الاتجاهات داخل حركة أحزاب الاتحاديين التاريخية لا جميعها، وذلك منذ ماقبل الاستقلال حتى الآن. بذلك فإن مناقشة العلمانية وإخضاعها للتصويت، كان يتم على أساس بوصلة مصلحة آنية مرتبطة بالسياسة اليومية. ومتطلبات اليوم بعد التغيير مع تحالفات خارجية وعلاقات جديدة يندفع السودان نحوها، يبدو تبني هذا الخيار وإعلانه خيارا يضمن مصلحة للحزب. لا سيما وأن قواعده الاجتماعية هي قواعد محدودة بسيطة تنشط وسط بعض الجامعيين وبعض التجار وبعض المهنيين بالتالي لن يخسر الحزب مجهود في تعريف العلمانية العجيبة لقواعد شعبية. تقودنا المُلاحظة كذلك لنُلامس فرقا نوعيا بين مناقشات مؤتمر السنابل التنظيمي وبين مناقشات حركة اليسار الشيوعي للعلمانية أم المدنية؟ والخلافات داخل الحزب الشيوعي حول مسألة تبني الديمقراطية الليبرالية. فهذه تركت كتابة نظرية موثقة في الصحف والكتب ومنشورة مع مؤتمرات الحزب الشيوعي, الشيء الذي لم يخرج به مؤتمر السنابل ولن يخرج به أبدا حزب بمثل هذه الهوية السائلة.

الجانب الآخر للمسألة يتعلق بمدى اتساقها المبدئي مع مواقف الحزب المُعلنة في السياسة السودانية, فالمفارقة العجيبة المثيرة للضحك هي أن الحزب يطرح العلمانية للتصويت وسط عضويته ويفرح بهذه العملية الديمقراطية، في حين يرفض طرحها للشعب السوداني للتصويت، حيث نجده رسميا قد رحب بإعلان المبادئ الموقع بين عبد العزيز الحلو وبين رئيس المجلس السيادي. في ذلك الإعلان نص واضح وصريح حول فصل الدين عن الدولة، كمبدأ فوق دستوري لا يخضع لأي شكل من أشكال التصويت والاستفتاء الشعبي. كذلك نجد حزب المؤتمر السوداني داعما لكثير من القوانين الجديدة التي تأتي لتلغي قوانين قائمة حول الأسرة والأحوال الشخصية، وهذه توجهات آيدلوجية علمانية لم تتم وفق تصويت ومشاورة الشعب السوداني.

المفارقة مثيرة للإهتمام حقا حول طرح القضية للمشاورة الداخلية ورفض طرحها للتصويت الشعبي العام. والتحليل السليم حول هذا الجانب يقودنا لحقيقة أن كل ذلك مجرد (بروبغاندا رديئة) لحزب المؤتمر السوداني، لخلق صورة حزب ديمقراطي يُخضع القضايا للتصويت.

هذه مُلاحظات بسيطة تُسائل موقف هذا الحزب، لكنها فوق ذلك تسعى لكشف حقيقة موضوعية لظاهرة في السياسة السودانية، وهي ظاهرة (التنظيمات البراغماتية) منزوعة الهوية التي تدعي موقف الوسط والحياد. هذه التنظيمات في حقيقتها إنعكاس لحالة الفراغ الثقافي والأخلاقي الممنهج الذي تقودنا نحوه الليبرالية السياسية المُعاصرة. وبذلك فإنها ستتكاثر لحقبة من الزمان وقد تبدو جاذبة لحين من الوقت، ولكن كل ذلك سيتبدد مع اليقظة الشعبية بهذه الحالة وشروطها وأبعادها.

نقلا عن صحيفة اليوم التالي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى