الاخباررأي

⭕ القصة وما فيها – النور عادل – يكتب.. السودان اللبناني

السودان اللبناني

إن أزمة لبنان كما أجمع العارفون مردها لخريطة المستعمر السياسية التي سارت عليها كل النخبة اللبنانية من بعده.
خريطة عنوانها الاوحد (الطائفية والمحاصصة الحزبية).
نفس السيناريو اللبناني هو الذي تسير عليه اليوم حكومة كلا من البرهان وحميدتي وللأسف رئيس الوزراء الدكتور حمدوك. وبات مشكوكا الزعم أن هذه حكومة ثورة ديسمبر!
قد يعترض قائل أن ليس في السودان طوائف كلبنان، صحيح، ولكن هنا قبلية أشد من الطائفية هناك. في لبنان جيشين رئيسيين، الجيش اللبناني وكتائب حزب الله الشيعية. أما ها هنا فأكثر من عشرة جيوش، فرئيس المجلس السيادي له جيش، ونائبه له جيش، وعقار والهادي ادريس اعضاء السيادي بجيشهما، بل ومن السخرية أنه حتى وزير المالية له جيشه الخاص. اذن فالوضع الأمني في الخرطوم أسوأ بما لا يقارن مع لبنان.
وصلت الأزمة في لبنان إلى درجة انقطاع الكهرباء لاكثر من واحد وعشرين ساعة في اليوم. ووصل سعر الدولار في السوق الموازي إلى ١٨ الف ليرة لبنانية. بل وصلت الازمة درجة إنعدام بعض الادوات المكتبية الاساسية لتسيير دولاب الدولة كالورق والحبر، حتى أغلق مطار الحريري ساعات عن العمل بسبب نفاد ورق الجمارك. وبات اكثر من ٩٥ بالمئة من الموظفين يعانون من ضعف القوة الشرائية نتيجة تآكل المرتبات بسبب التضخم الذي وصل حدود العالمية منافسا للتضخم في زيمبابوى وفنزويلا.

(يتحدث وزير التنمية الإدارية السابق طارق متري عن تجربته بالوزارة عام 2005، وهو أكاديمي شغل مناصب عدة بعدد من الجامعات وكان ممثلا خاصا لأمين عام الأمم المتحدة في ليبيا بين عامي 2012 و2014، ويصفها بـ “التجربة المخيبة جدا”.
ويعتبر متري أن شلل المؤسسات العامة مؤخرا ليس نتيجة الانهيار الاقتصادي والمالي فحسب، بل يعود لسوء إدارة الدولة لها، بعد أن “أُضعفت المؤسسات وجرى الفتك بها، لأسباب طائفية وحزبية، برزت منذ نشوء لبنان الكبير (1920) وبلغت مبلغا كبيرا آخر 10 سنوات)  الجزيرة نت.

اسفرت الإجراءات المالية الاخيرة لحكومة الفترة الانتقالية عن شيوع حالة من الهلع العام، وتحول الاقتصاد معظمه لخدمي ضيق، وزيادة تكدس الناس في المدن وهجر مناطق الإنتاج الزراعي، والعمل ساعات طويلة بأجور زهيدة، وارتفاع معدلات الجريمة المنظمة وشيوع حالة من القلق والتوتر واللا استقرار.
كل هذه مؤشرات لتحول المجتمع نحو الرأسمالية في أسوأ اصداراتها الأمريكية. ولن أبالغ لو قلت أننا نتجه نحو النموذج اللبناني وليس الرواندي او الجنوب أفريقي كما يردد الحالمون.

في لبنان وظائف بلا مردود ملموس على حياة المواطن، فقط لأن هذا الموظف مسنود حزبيا وطائفيا، هنا نفس الحال وأشد وأنكى بوجود موظفين بكم هائل كل مؤهلاتهم ولاء حزبي أو انتماء عرقي زائدا وريقات جامعية وخبرات لا يعتد بها مقارنة بأقرانهم غير الحزبيين المنتشرين في السوق والمهاجر ودول الجوار.

كنا نظن أن زمان الوظيفة مقابل الولاء قد ولى مع المقبور المؤتمر الوطني، لكننا نشاهد نفس المسلسل بممثلين حزبين كثر هذه المرة.

كنا نظن أن زمن الإفلات من العقوبة مضى مع الظالمين، فإذا بنا وفي عز حكومة الثورة – فرضا- نشاهد الصور الأليمة لتكدس جثث مشرحة مستشفى التميز، بل وصل الأمر حد منع النيابة العامة لفريق المحققين الدوليين من دخول المشرحة وإلى اللحظة يمنع!
(كاد المريب يقول خذوني)

كنا نظن أن الصرف البذخي بلا طائل قد ولى دون رجعة مع المخلوع وحرمه في مونديال كأس العالم روسيا، فإذا بنا نفاجئ بالعالقين السودانيين في الهند يجأرون بمر الشكوى، بينما وزير خارجيتنا الهمام المنصورة الدكتور مريم المهدي تتنزه في الحديقة النباتية بأسوان! وهذا مثال باذخ للامبالاة في ادارة دولاب الدولة السائرة على ذات النهج اللبناني. يفعل المسؤول ما يشاء طالما وراءه طائفة.

إلى الآن لم تعلق المشانق للفلول القتلة منهم، أو يردعوا بقوة قوانين الثورة، بل نشاهدهم في أبهى حلل وانضر وجوه في محاكمات باردة، بل وصل بهم الأمر لتحدي الثورة أن تقوم بتسليمهم للجنائية الدولية.
إن لبنان لم تترك أي فرصة قرض من البنك الدولي او صندوق النقد الدولي لم تنتهزها، لكن في ظل فساد سياسي وترهل إداري متعمد لإرضاء كل الاطراف وصلت اليوم حافة الهاوية.

اما عن ميعاد تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، وعن الفراغ من دمج الجيوش المتعددة في جيش قومي واحد ودمج المؤسسة الاقتصادية العسكرية في الاقتصاد الوطني، فسبحان الله ولا حول ولا قوة الا بالله… بلد ليس لها وجيع.

نحن أيها السادة في الطريق إلى اللبننة، أي السودان اللبناني، وعندها ولا حين مندم.
وارجو ختاما أن أكون مخطئا، وأن يكون هناك ضوء في آخر النفق، وأتمنى أن تستقر الكهرباء أياما معدودات حتى نبصر هذا الضوء.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى